مسجد قرطبة الجامع

قرطبة المجد الضائع رثاء الأندلس

                                                   


wpe65.jpg (8216 bytes) قرطبة جوهرة العالم

قرطبة اسم له وقع خاص في الأذن الإسلامية.. إنها مدينة ذات تاريخ عريق.. تاريخها شاهد على ما بلغه عز الإسلام في الأندلس..

تقع قرطبة في الجزء الجنوبي من إسبانيا على نهر الوادي الكبير، تقول عنها موسوعة المورد الحديثة"(1):أسسها القرطاجيون فيما يعتقد. خضعت لحكم الرومان والقوط الغربيين، ومن ثم بسط العرب سلطانهم عليها 711-1236"، ويقول عنها د. جودة هلال ومحمد محمود صُبح في كتابهما "قرطبة في التاريخ الإسلامي"(2): يقال إن ثاني قياصرتهم –الرومان- أصدر أمرًا بتشييد المدن في الجزيرة الإيبيرية، وبعث لهذا الغرض أربعة من أقطاب مملكته لتنفيذ هذه الرغبة السامية، فشيد كل واحد من الأربعة

مدينة بالجهة التي ولى أمرها، وسماها باسمه، وكانت هذه المدن هي:

1 -   قرطبة.         2 -   اشبيلية.       3 -  ماردة.        4 -  سرقسطة.

بدأت قرطبة تبرز إلى الوجود كمدينة عالمية عندما أسس صقر قريش عبد الرحمن الداخل الدولة الأموية في الأندلس بعد سقوطها في الشرق على أيدي العباسيين.. لكنها بلغت أوج ازدهارها في ظل "عبد الرحمن الناصر" أول خليفة أموي في الأندلس بعد أن اتخذ منها عاصمة لدولته وجعلها كبرى المدن الأوروبية في عهده وأكثرها أخذًا بأسباب الثقافة.. لقد أصبحت قرطبة مقر خليفة المسلمين في العالم الغربي.. كانت قرطبة العاصمة الكبرى لإسبانيا، يَفِد إليها الملوك والسفراء يقدمون للخليفة فروض الطاعة والولاء، فقد كانت الدولة المسيحية حتى القرن الحادي عشر الميلادي أشبه بالمحمية للدولة الإسلامية.. وفي هذا العهد نافست قرطبة بأُبَّهَتِها وعمرانها وحالتها الثقافية كبريات المدن الإسلامية كالقاهرة ودمشق وبغداد والقيروان حتى أطلق عليها الأوروبيون "جوهرة العالم".

ولقد اهتم الأمويون بتعمير الأندلس عمومًا؛ وقرطبة عاصمة ملكهم بوجه خاص.. وشمل هذا الاهتمام نواحي الحياة المختلفة كالزراعة حيث شقوا الترع وحفروا القنوات وجلبوا للأندلس أشجارًا وثمارًا لم تكن تزرع فيها.. والصناعة؛ فقد كان في قرطبة وحدها 1300 عامل، واشتهرت قرطبة بصناعة الحرير والسلاح.

أما البناء فقد اهتموا به اهتمامًا خاصًا؛ لأنه يساعد في بقاء الذِّكْر على مر الزمن(3).. فقد بنى عبد الرحمن الداخل قصر الإمارة بقرطبة، كما بنى المسجد الجامع، وكذلك كان عبد الرحمن الأوسط في اهتمامه بالبناء، وفي عهد عبد الرحمن الثالث كانت قرطبة خمس مدن وليس مدينة واحدة كما يقول المقري: "وبين المدينة والمدينة سور عظيم حصين حاجز، وكل مدينة مستقلة بنفسها، وفي كل منها من الحمامات والأسواق والصناعات ما يكفي أهلها". وبلغ عدد ضواحي قرطبة 28 ضاحية، وكان فيها 300 حمامًا، و3000 مسجد، وكان عدد سكان قرطبة في عهد عبد الرحمن الثالث 500 ألف نسمة(4).

ويعتبر الجامع الكبير من أهم معالم قرطبة وآثارها الباقية حتى الآن.. وضع حجر تأسيسه في عهد عبد الرحمن الداخل، وأتمَّ بناءه ابنه هشام الأول.. وكان كل خليفة جديد يضيف لهذا الجامع ما يزيد في سعته أو فخامته أو زخرفته حتى أصبح طوله 330 ذراعًا، وعرضه 230 ذراعًا (الذراع= 58سم)، وكان يقوم على الخدمة فيه 300 رجلاً.. وقد احتل هذا المسجد مكانة علمية مرموقة حتى كان طلاب العلم من الشرق والغرب يفدون إليه، سواء كانوا من المسلمين أو المسيحيين(5)، لكن سقوط قرطبة (634هـ-1236م) في يد فرديناند الثالث كان بداية لمحو كل ما يَمُتّ للإسلام بصلة في الأندلس؛ فتحول هذا المسجد إلى كنيسة، لكنه ما زال يحمل إلى اليوم اسمه.

ومن معالم قرطبة الهامة قنطرة قرطبة على نهر الوادي الكبير والتي عرفت باسم "الجسر" و"قنطرة الدهر"، كان طولها 80 ذراعًا، وعرضها 20 ذراعًا، وارتفاعها 60 ذراعًا، ويذكر الإدريسي أنه كان بأسفلها "رصيف من الأحجار والعمد البديعة، وكان على السد ثلاثة مطاحن في كل بيت منها أربعة مطاحن مائية".

كما اشتهرت قرطبة بجمال الطبيعة واعتدال الجو فكثرت متنزهاتها كمتنزه الرصافة الذي أنشأه عبد الرحمن الداخل في شمال غربي قرطبة، ومتنزه فحص السرادق وغيرهما.

أما أشهر قصور قرطبة فقصر الإمارة وقصر الرصافة وقصر دمشق وقصر الروضة.

ولم يهمل الخلفاء الجانب الثقافي الذي أعطى قرطبة مكانتها الحقيقية كعاصمة عالمية، فظهرت فيها المكتبات العامرة بنوادر الكتب والمخطوطات، حتى إن المكتبة التي تكونت في عهد الأمير الحكم بن عبد الرحمن الناصر كان "عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربعًا وأربعين فهرسة، وفي كل فهرست عشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الدواوين".. ومما يروى أن ابن رشد تناظر يومًا مع أبي بكر بن زهر، فقال ابن رشد: إذا مات عالم بإشبيلية فأُرِيد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإن مات بقرطبة مطرب فأريد بيع آلاته حملت إلى إشبيلية.. وقرطبة أكثر بلاد الله كتبًا‍‍.

وقد انتشرت المدارس في قرطبة حتى لم يعد فيها شخص واحد لا يجيد القراءة والكتابة.. واشتهرت قرطبة بالعلماء والشعراء، والكثير منهم كانوا من أهل الحكم أو البيت الحاكم، مثل الخليفة الحكم، والشاعر أبي عبد الملك مروان حفيد عبد الرحمن الثالث والخليفة المستعين بالله، والوزير أبو الغيرة بن حزم وهو ابن عم فيلسوف قرطبة الشهير محمد بن حزم، والوزير عبد الملك بن جهور، والوزير المصحفي، بالإضافة إلى عشرات بل مئات العلماء في كافة المجالات كابن طفيل وابن رشد وابن باجه في الفلسفة، وأبو عبد الله القرطبي في العلوم الشرعية، والقاضي أبو الوليد الباجي وأبو الحسن على بن القطان القرطبي في الحديث النبوي، ومنذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة، وزَرْيَاب الموسيقى، وابن عبد ربه اللغوي الأديب، وغيرهم وغيرهم..

كما اشتهرت المرأة القرطبية في المجال الثقافي، فنذكر ولَّادة بنت الخليفة المستكفي الشاعرة الأديبة صاحبة الصالون الأدبي الشهير، ومريم ابنة يعقوب الشاعرة الأديبة، وعائشة بنت أحمد التي كانت مربية ومعلمة لولد المنصور ابن أبي عامر أشهر وأقوى وزراء الدولة الأموية في الأندلس.

ورغم التشرذم السياسي والاقتصادي والعسكري الذي منيت به الدولة الإسلامية في الأندلس فيما سمي "بدول الطوائف"، إلا أن الحياة الثقافية ازدادت ازدهارًا في عصر تلك الدول لتنافسها في اجتذاب العلماء والشعراء في كل مجال، وكانت قرطبة صاحبة اليد العليا والسبق الثقافي دائمًا، لذلك فإن سقوط قرطبة كان بداية النهاية للملحمة الإسلامية الكبرى في الأندلس.
منير عتيبة

هوامش:

1 -  موسوعة المورد الحديثة 1995.

2 -  "قرطبة في التاريخ الإسلامي"-د. جودة هلال ومحمد محمود صبح-الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986.

4 -  لم يتجاوز عدد سكان قرطبة سنة 1995 الـ 275 ألف نسمة.

5 -  من أشهر المسيحيين الذين تعلموا في قرطبة البابا سلفستر الثاني الذي تلقى العلم في قرطبة عندما كان راهبًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     أعلى الصفحة

 

المجد الضائع،، قرطبة


لقد خَلَّفت الأندلس أروع السطور، وأجمل الأسفار في شتى حقول المعرفة، وكانت بحق بوتقة، امتزجت فيها إبداعات العرب وثقافتهم بثقافة الأسبان، فأبدعوا أي إبداع،، وتوافدت على الأندلس ومكتباتها قوافل طلاب أوروبا، للنهل من معينها العذب، فكانت الواحة التي يتفيَّّأ في ظلال علمها طلاب المعرفة.
وها هي قرطبة، عاصمة الخلافة الأموية في الأندلس، تتباهى بمكتبتها الكبيرة، التي كانت تُعدّ الأكبر في الأندلس في ذلك الوقت، والتي وصلت إلى أوج كمالها في زمن الخليفة الحكم الثاني (350 366 ه)، الذي عمَّرها بالكتب، وجمع بين جدرانها، وعلى أرفُفها ، أمهات الكتب العربية، وعمل على ضمّ مجموعات الكتب الموجودة في مكتبة القصر، ومكتبته الخاصة، إضافة إلى مكتبة أخيه الأمير محمد، وكوَّن بذلك مكتبة قرطبة الشهيرة.
وكان من مآثر الخليفة، قيامه بتعيين وإرسال مندوبين خاصين لجمع الكتب من العراق، ومصر، وبلاد الشام، وفارس، فكان هؤلاء يجمعون ويقتنون الكتب من مختلف البلدان العربية والإسلامية، ليثْروا بها مكتبة قرطبة، حتى وصلت محتوياتها إلى أربعمائة ألف مجلد، وفهارسها إلى (404) مجلدات، ولم تكن هذه المكتبة هي الوحيدة في قرطبة، بل كانت هناك عشرات المكتبات الأخرى المماثلة لها، التي ازدهرت في أرجائها صناعة الكتاب،،، وتناثر النسَّاخون والنسَّاخات بين غرفها وأروقتها، يسطِّرون بأنوار أقلامهم أسفار المعرفة والعلم، فكان عدد الكتب المنسوخة سنوياً، في قرطبة فقط، يصل إلى ثمانين ألف مجلد، حتى أصبحت قرطبة مركزاً كبيراً للنشر في نهاية القرن العاشرالميلادي، يرتاده الباحثون عن الكتب من شتى الأقطار.
وبسقوط الخلافة الأموية الأندلسية في العام 1031م تأثرت مكتبات قرطبة، وفُجعت صناعتها الثقافية أيّما فاجعة،،، وانشغلت قرطبة بالصراعات، حتى أجهز عليها الأسبان في العام 1236 م.

                جمعه عبدالله القبيسي                                          

أعلى الصفحة


مسجد قرطبة الجامع

 

يقول المستشرق الفرنسي جاستون فييت »إن الخطة العامة للمساجد تتماشى تماماً مع وضوح العقيدة الإسلامية وبساطة أركانها وخلوها تماماً من الأسرار ومن أي نوع من التعقيد في طقوس العبادات«.. ويستطرد قائلاً: »ويبدو هذا مثيراً للدهشة بصورة أوضح إذا ذكرنا أن قوس الأقواس في المعابر الأخرى كان يقوم في خدر مظلم لا يدخله إلا الملك وعدد قليل من رجال الدين المختارين ليتأملوا الههم في جلاله«.. ويقول ذلك المستشرق أيضا..

»وكما أن بعض التكوينات الشبيهة بالأقواس في بعض غاباتنا تذكر الإنسان بأروقة الكاثدرائيات الضخمة فكذلك نجد علاقة بين الجو الذي يشيع داخل مسجد ذي أعمدة وبين غابات النخيل التي شأنها شأن المسجد إنما هي غابة بدون أسرار.. والأعمدة ذات القامات المنسرحة المتماثلة تماثلاً شديداً تخترق الجو المحيط بها دون أن تنشر فيه الظلام«.

تلك أفكار رجل أثري فرنسي قضى عمره في دراسة المنشآت المعمارية في فرنسا ثم في بلاد الإسلام فتبين له أن المساجد تمتاز عن غيرها من أنماط دور العبادة بأصالة لا نظير لها فدور العبادة في الدنيا كلها منشآت ضخمة ذات جدران عالية وقاعات داخلية تضاء بالشموع والقناديل، وتحيط بها أجواء من الغموض بل السحر لتوقع في النفوس أثراً عميقاً ولكنه مصنوع ومتكلف.. أما مساجد الإسلام إنما هي مساحات من الأرض صغيرة أو كبيرة تنظف وتسوى ويعين فيها اتجاه القبلة وتخصص للصلاة وقد تسوّر أو لا تسور وقد تفرش بالحصى النظيف أو الحصر الرخيصة أو البسط الغالية وقد تقام فوقها مبان ضخمة ذات جدران وقباب وسقوف ومآذن وقد لا يقام من ذلك شيء وتظل الصلاة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى في ذلك المسجد.

ويحكي التاريخ عن أحد المساجد أنه كان واحداً من أروع ما أنشأ المسلمين من الأعمال المعمارية ذلك هو مسجد قرطبة الجامع بالأندلس وهو باعتراف مؤرخي العمارة الأوروبين قمة من قمم الفن المعماري العالمي على مر العصور فلقد تم بناء ذلك الجامع خلال قرنين ونصف قرن من الزمان على وجه التقريب فقد بدىء في إنشائه على يد عبد الرحمن الداخل سنة 170هـ/ 786م واستغرق إنشاء الجزء الأول منه سبع سنوات.. ثم توالت عليه أعمال الزيادة والتجميل والتوسيع إلى أوائل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي.

وأهم ما يعطي هذا الجامع الفريد مكانه في التاريخ أن كل الإضافات والتعديلات وأعمال الزينة سارت في اتجاه واحد محترمة شخصية المسجد وطرازه، اشتركت في انشائه أجيال متعاقبة من أهل الهندسة والمعمار والفن في الأندلس وقد اهتم أمراء الأندلس بالمسجد اهتماماً كبيراً ولا يتسع المجال لذكر كل تلك الزيادات ولكن نذكر الزيادة التي قام بها عبد الرحمن الناصر سنة 340هـ / 951م فقد أنشأ مئذنة جديدة في أقصى جدار صحن المسجد ناحية الشمال وقد جعلها على هيئة برج ضخم ذي شرفتين للأذان ويصعد إلى هاتين الشرفتين بسلم داخلها ولا زالت تلك المئذنة قائمة وإن كانت قد حولت إلى برج تدق فيه النواقيس.. وكذلك أضاف عبد الرحمن الناصر توسعة لجامع قرطبة وأمر ابنه الحَكَمْ (الذي لقّب بالمستنصر) بالإشراف على هذه الزيادة التي تمت سنة 351هـ/ 961م وكانت هذه الزيادة جهة الجنوب فنقل جدار المحراب 35 متراً إلى الجنوب وبذلك وصل المسجد إلى ضفة نهر الوادي الكبير ثم عمر محراباً جديداً يعد من روائع الفن المعماري الأندلسي.. كذلك نذكر الزيادة التي قام بها المنصور محمد بن أبي عامر الذي استبد بحكم الأندلس أيام الخليفة هشام المؤيد.. وكانت تلك الزيادة سنة 377هـ/ 987م والتي أصبحت بها مساحة المسجد بصحنه وبيت صلاته 22.500 متر مربع وهو قائم إلى اليوم شاهد على ما بلغته أمة العرب من أوج في فن الهندسة والمعمار..

وقد زرع الناس أشجار النارنج في صحن المسجد ولهذا كان يسمى بصحن النارنج.. وفي الناحية الشرقية تقوم الميضأة (مكان الوضوء) البديعة التي أنشأها ابن أبي عامر وأجرى لها الماء في قناة تحت الأرض تصب في حوض واسع مقسم إلى تسعة أحواض كانت تقوم فوقها تسع قباب صغيرة والغالب أن المتوضىء كان ينزل بضعة سلالم حتى يكون في مستوى الماء.

وقد حول ذلك المسجد إلى كاتدرائية عندما استولى الاسبان على قرطبة سنة 1236م وفي القرن الرابع عشر أنشئت في الجانب الغربي منه كاثدرائية صغيرة أمر ببنائها الملكان فرناندو وايزابيلا.. وفي سنة 1523 أنشئت في قلب الجامع كاتدرائية كبيرة شوهت وسط الجامع تشويها مؤسفاً وقد أنكر الامبراطور كارلوس الخامس المعروف عند العرب باسم شارلكان هذا البناء المقحم على المسجد العظيم وأفسد الصورة الرائعة التي كان بيت الصلاة في ذلك المسجد يمتاز بها.. ولكن بيت الصلاة في جامع قرطبة لا يزال يحتفظ ببهائه وجماله.. وقد كانت أروقة المسجد كلها تفتح على الصحن المكشوف مما كان يأذن للضوء في أن يغمر داخل المسجد ويلفت الناس إلى جماله. وقد أقفلت تلك الأروقة بجدار سميك عندما حول المسجد إلى كنيسة ويقول القساوسة إن داخل الكنائس ينبغي أن يغلب عليه الظلام فذلك يجعل للمعبد رهبة وهيبة.

ولا يقل المركز الذي يحتله جامع قرطبة في تاريخ العلوم العربية والإسلامية عن مكانته في التاريخ المعماري الإسلامي.. فقد كان هذا المسجد جامعة حقيقية تحفل بالشيوخ والطلاب وشدت إليه الرحال من نواحي الأرض كلها حتى كان خلال قرون طويلة أعظم مراكز العلم في أوروبا.
                                                                                                                                                               محمد السادة 

 ــــ عن مجلة قطر الخير العدد السابع والعشرون جمادى الاولى 1420ـــــ

ــــــــــــــــــــــــــ    
أعلى الصفحة

 

أبو البقاء الرندي - رثاء الأندلس

فلا يغر بطيب العيش إنسان
من سره زمن ساءته أزمان
ولا يدوم على حال لها شان
إذا نبت مشرفيات وحرصان
كان ابن ذي يزن والغمد غمدان
وأين منهم أكاليل وتيجان
وأين ماساسه في الفرس ساسان
وأين عاد وشداد وقحطان
حتى قضوا فكأن القوم ماكانوا
كما حكى عن خيال الطيف وسنان
وأم كسرى فما آواه غيوان
يوماً ولاملك الدنيا سليمان
وللزمان مسرات وأحزان
ومالما حل بالاسلام سلوان
هوى له أحد وانهد ثهلان
حتى خلت منه أقطار وبلدان
وأين شاطبة أم أين جيان
من عالم قد سما فيها له شان
ونهرها العذب فياض وملآن
عسى البقاء إذا لم تبق أركان
كما بكى لفراق الإلف هيمان
قد اقفرت ولها بالكفر عمران
فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المنابر ترثي وهي عيدان
إن كنت في سنة فالدهر يقظان
أبعد حمص تعر المرء أوطان
ومالها مع طول الدهر نسيان
كأنها في مجال السبق عقبان
كأنها في ظلام النقع نيران
لهم بأوطانهم عز وسلطان
فقد سرى بحديث القوم ركبان
قتلى وأسرى فما يهتز إنسان
وأنتم ياعباد الله إخوان
أما على الخير أنصار وأعوان
احال حالهم كفرو طغيان
واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
عليهم من ثياب الذل ألوان
لهالك الأمر واستهوتك أحزان
كما تفرق أرواح وأبدان
كأنما هي ياقوت ومرجان
والعين باكية والقلب حيران
إن كان في القلب إسلام وإيمان

لكل شيء إذا ما تم نقصان
هي الأمور كما شاهدتها دول
وهذه الدار لا تبقي على أحد
يمزق الدهر حتما كل سابغه
وينتضي كل سيف للفناء ولو
أين الملوك ذوو التيجان من يمن
وأين ماشده شداد في إرم
وأين ماحازه قارون من ذهب
أتى على الدهر أمر لامردد له
وصار ما كان من ملك ومن ملك
دار الزمان على دارا وقاتله
كأنما الصعب لم يسهل له سبب
فجائع الدهر أنواع منوعة
وللحوادث سلوان يسهلها
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له
أصابها العين في الاسلام فامتحنت
فأسال بلنسية ما شأن مرسية
وأين قرطبة دار العلوم فكم
وأين حمص وما تحويه من نزه
قواعد كن أركان البلاد فما
تبكي الخيفية البيضاء من أسف
على ديار من الاسلام خالية
حيث المساجد قد صارت كنائس ما
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة
ياغافلاً وله في الدهر موعظة
وماشيا مرحاً يلهيه موطنه
تلك المصيبة أنست ما تقدمها
ياراكبين عتاق الخيل ضامرة
وحاملين سيوف الهند مرهفة
وراتعين وراء البحر في دعة
أعندكم نبأ من أهل اندلس
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم
ماذا القاطع في الاسم بينكم
ألا نفوس أبيات لها همم
يامن لذلة قوم بعد عزهم
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم
فلو تراهم حيارى لادليل لهم
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم
يارب أم وطفل حيل بينهما
وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت
يقودها العلج للمكروه مكرهة
لمثل هذا يذوب القلب من كمد

أعلى الصفحة                              إلى الصفحة الرئيسية